حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
53
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
كلما وجدت السماوات والأرض وجد عقابهم . فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم ، أو يوجد فالآية لا تدل إلا على حصول العقاب لهم دهرا طويلا ومدة مديدة . وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و « اللّه لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك » وقد يكون عزمك على ضربه البتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك . وردّ بالفرق ، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء اللّه ، فالمشيئة قد حصلت جزما . ولقائل أن يقول : الماضي هاهنا في معنى الاستقبال مثل وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ [ النساء : 48 ] وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [ الزمر : 73 ] فلم يبق فرق . وقيل : « إلا » بمعنى « سوى » أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له . وقال الأصم وغيره : المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف . وقيل : الاستثناء يرجع إلى قوله : لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود . وقيل : فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك ، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فكأنه تعالى يقول : أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد ، وليس لأحد عليّ حكم البتة . وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون : إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحدا من أهل الجنة لا يدخل النار . فالصواب أن يقال : إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة ، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا اللّه ، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالا من الجنة كقوله : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] ثم قالوا : إنه ختم آية الوعيد بقوله : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وآية الوعد بقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ رعاية للمطابقة كأنه قال : إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع . وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف : إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها . وأقول : يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى . وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في اللّه ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناه فعذاب البعد عنه أيضا يجب أن